الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

51

نفحات الولاية

سطحية فلا تنفذ إلى أعماق وجود الإنسان وروحه ، فإذا نفذت إلى أعماقه وبلغت مرحلة اليقين بحيث أذعن الإنسان بذلك قلبياً ، فان ذلك العلم يكتسب صفة الإيمان . ثم قال عليه السلام في المرحلة الثالثة « وكمال التصديق به توحيده » . فمما لاشك فيه أنّ الإنسان لم يبلغ مرحلة التوحيد الكامل على أساس معرفته التفصيلية للَّه‌أو بتعبير آخر بالمعرفة القائمة على أساس الدليل والبرهان . فالتوحيد التام في أن ينزه الذات الإلهية عن كل شبه ومثيل ونظير . وذلك لأنّ من جعل له شبيه وصنو لم يعرفه ، فاللَّه وجود مطلق غنى بالذات عمّا سواه وليس كمثله شيء ، ومن طبيعة الأشياء التي لها أشباه وأمثال أن تكون محدودة ، لأنّ أي من الشبيهين منفصل عن الآخر وفاقد لكمالاته . إذن فالإنسان لا يبلغ مرحلة الكمال إلّابالتصديق بذاته المنزهة في أنّه واحد ؛ واحد لا عن عدد ، بل واحد بمعنى خلوه من الشبيه والمثيل . ثم ينتقل الإمام عليه السلام إلى المرحلة الرابعة وهى مرحلة الاخلاص فيقول : « وكمال توحيده الاخلاص له » . والاخلاص من مادة الخلوص بمعنى تصفية الشيء عن الغير ، بمعنى التصفية والتنزه . وهناك خلاف بين مفسري نهج البلاغة بشأن هذا الاخلاص ، وهل المراد به الاخلاص العملي أم القلبي أم العقائدي . والمراد بالاخلاص العملي هو أن يعيش الفرد ذروة التوحيد الإلهي فلا يسأل سواه ولا يرى غيره فيما يقوم به من أفعال وأعمال . وهو الأمر الذي تناوله الفقهاء في بحث الاخلاص في العبادة ، وقد أورد « الشارح الخوئي » ( ره ) هذا التفسير بصفته أحد الأقوال دون أن يذكر من قال به . « 1 » أمّا الاخلاص القلبي والذي عبر عنه « الشارح البحراني ابن ميثم » بالزهد الحقيقي فهو يعنى توجه القلب إلى اللَّه وعدم التفكير بما سواه ، والانشغال بغيره « 2 » . إلّاأننا نرى أنّ الاخلاص

--> ( 1 ) منهاج البراعة 1 / 321 . وقد نقل الشارح الخوئي بأنّ لصدر الدين الشيرازي مثل هذا الاعتقاد في شرح الكافي . ( 2 ) شرح نهج البلاغة لابن ميثم 1 / 122 .